ابن قيم الجوزية

85

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وعمي عن البصيرة . فحجبت عنه حقائق الإيمان . فيرى الحق باطلا ، والباطل حقا ، والرشد غيّا ، والغيّ رشدا . قال تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطفّفين : 14 ] و « الرين » و « الران » هو الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحق ، والانقياد له . وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة . وهي نوعان : فراسة علوية شريفة ، مختصة بأهل الإيمان ، وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر . وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة ، وتجريد البواطن من أنواع الشواغل . فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور ، والإخبار ببعض المغيبات « 1 » السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كمالا للنفس ، ولا زكاة ولا إيمانا ولا معرفة . وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات . لأنهم محجوبون عن الحق تعالى . فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه ، وطريق هؤلاء وهؤلاء . وأما فراسة الصادقين ، العارفين باللّه وأمره : فإن همتهم لما تعلقت بمحبة اللّه ومعرفته وعبوديته ، ودعوة الخلق إليه على بصيرة . كانت فراستهم متصلة باللّه ، متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان . فميزت بين ما يحبه اللّه وما يبغضه ، من الأعيان والأقوال والأعمال . وميزت بين الخبيث والطيب ، والمحق والمبطل ، والصادق والكاذب . وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى اللّه . فحملت كل إنسان على قدر استعداده ، علما وإرادة وعملا . ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طريق الرسول وتعرفها ، وتخليصها من بين سائر الطرق ، وبين كشف عيوب النفس ، وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريق المرسلين . فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة . وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده . منزلة القصد فإذا انتبه وأبصر أخذ في « القصد » وصدق الإرادة . وأجمع القصد والنية على سفر الهجرة إلى اللّه . وعلم وتيقن أنه لا بد له منه . فأخذ في أهبة السفر ، وتعبئة الزاد ليوم المعاد . والتجرد عن عوائق السفر ، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج . وقد قسم صاحب المنازل « القصد » إلى ثلاث درجات فقال : « الدرجة الأولى : قصد يبعث على الارتياض ، ويخلّص من التردد ، ويدعو إلى مجانبة الأغراض » . فذكر له ثلاث فوائد : أنه يبعث على السلوك بلا توقف ، ولا تردد ، ولا علة غير العبودية ، من رياء أو سمعة ، أو طلب محمدة ، أو جاه ومنزلة عند الخلق . قال : « الدرجة الثانية : قصد لا يلقى سببا إلا قطعه ، ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله » . يعني أنه لا يلقى سببا يعوّق عن المقصود إلا قطعه ، ولا حائلا دونه إلا منعه ولا صعوبة إلا سهلها .

--> ( 1 ) لا يعلم الغيب إلا اللّه .